السيد كمال الحيدري
329
اللباب في تفسير الكتاب
فوائد وإشارات الأولى : دواعي العبادة العبادة فعل اختيارىّ فلابدّ لها من باعث نفسانىّ يبعث نحوها . وقد أشارت الآيات والروايات أنّها أحد أمور ثلاثة : أن يكون الداعي لعبادته تعالى هو طمع الإنسان في إنعامه ، وبما يجزيه عليه من الأجر والثواب ؛ قال تعالى ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ( النساء : 13 ) . أن يكون الداعي للعبادة هو الخوف من العقاب على المخالفة ؛ قال تعالى : ( إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ( يونس : 15 ) . وقد أشير إلى كلا الأمرين في قوله تعالى : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ) ( السجدة : 16 ) ، وقوله : ( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ( الأعراف : 56 ) ، وقوله : ( يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) ( الإسراء : 57 ) . أن يعبد الله بما أنّه أهلٌ للعبادة ، فإنّه الكامل بالذات والجامع لصفات الجمال والجلال . وهذا القسم من العبادة لا يتحقّق إلّا ممّن اندكّت وفنت نفسيّته ، فلم يرَ لذاته إنيّة واستقلالًا إزاء خالقه ، ليقصد بها خيراً أو يحذر لها من عقوبة ، وإنّما ينظر إلى صانعه وموجده ولا يتوجّه إلّا إليه . ولعلّ في قوله تعالى : ( وَفِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ( الحديد : 20 ) إشارة إلى هذه الدواعي ، حيث بيّنت أنّ على الإنسان أن يتنبّه لحقيقة الدُّنيا وهى أنّها متاع الغرور ( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ) ( النور : 39 ) ، فعليه أن